البئر المسكون


 

عدت من الغربة ليقال لي أن منزلك مسكون, كان الشيخ العجوز والبستاني الخاص برعاية أشجار الفاكهة و اللوز, هو من تقرب مني بعد لقائي معه بغرض التعرف عليه و قبل أن أودعه ليعود لبيته, ناداني على تردد و استوقفني محرجا وصمت قليلا, ظننت للوهلة الأولى أن سبب إحراجه هو تأخر أجره أو شيء كذلك, وحين صارحته بما أفكر دهش قليلا ونفي الأمر تماما, لكنه ألح بصمته وقبل أن يغير الموضوع أو ينفي أي شيء مريب, ضغطت عليه وتوددت منه عن سبب حرجه أو قلقه, فبادل سؤالي بسؤال آخر“هل ستبات في الفيلة؟”, فهززت رأسي بالإيجاب مظهرا تعجبي من سؤاله, خطف نظرة للفيلة ليعود التوجس إلى وجهه, أزعجني تلكؤه ومناوراته فطلبت منه التصريح عن سبب سؤاله الغريب:
“هل هناك شيء في الفيلة؟”, نظر إلي وقد رفع شيء من الحرج عن وجهه, وكأنه سر أن غيره من فتح الباب لهذا الموضوع, ثم رأيته يجمع شجاعته وتقدم نحوي قليلا وقال:” لا أعرف السبب يا ولدي لكن المنزل مريب، منذ وفاة والديك بات البقاء بقربه لا يحتمل, أشياء تتحرك أصوات تهمس وظلال تسعى بين النوافذ والأبواب, ولست وحدي من شهد على هذه الأمور كل من يعمل في البستان مر عليه نفر منهم “, لاحظت خفوت صوته وهو يتحدث معي تحت ظل الفيلة, ولابد أنه رأى الابتسامة التي توسعت في وجهي كلما تقدم في كلامه, ولم أقصد أن أكون قليل الأدب لكن مجرد التفكير في المنزل الذي عشت فيه أغلب حياتي والذي درست جميع زواياه في صغري, وحتى استخدمت قبوه المظلم كأفضل مخبئ لي في لعبة الغميضة مع إخوتي وأبناء الأقارب, لم يحدث أن شهدت فيه أتفه شيء يوحي بأن شبحا يسكنه أو أن غولة تحوم به ليلا, لكن الشيخ لم يستوعب ذلك فارتد وأبعد وجهه عني و قال بصوت ساخط لكن هادئ:” والله لولا احترامي لأبيك رحمه الله وصحبتي له سنين, ما كنت لأحدثك بشيء, لكنكم تدفعون لي لكي أحافظ على صحة البستان وحراسته والفيلة جزء منه وهو واجبي أن أعلمكم بكل صغيرة و كبيرة تجري فيه, و ها أنت قد خلفت المرحوم و قد أعطيتك مفتاح البوابة والفيلة وللأمانة أنا أقول لك, منزلك به خطب ما, عطل لا يمكن أن أؤجر أحدهم ليصلحه, لأنه ليس في أنابيب الماء والغاز, لأنني لا أعرفه, اللهم أني بلغت فاشهد, جيلكم هذا يعتقد أنه يحكم العالم فقط لأنه عرف عنه شيء أو اثنين, لكنكم تعيشون في دنيا من المصابيح والأنوار المزيفة, لكنكم لا تعرفون الليل عن حق”, لم أتدارك سرعة تضخم الوضع وأصبت بحرج كبير من رجل كان من الأصدقاء الأعزاء للوالد, فاعتذرت منه بشدة وطلبت منه العفو في تواضع, لكنه سرعان ما عاد إلى وضعه الطبيعي واعتذر هو أيضا معلقا أنه تمادى بعض الشيء, ولأرضيه وأطمئنه سايرته في حديثه وسألته عن ما رآه في المنزل مظهرا اهتمام يغير مكترث بأغلب ما يسرده علي في الحقيقة, لكنني تفطنت في كلامه عن البئر وما واجهه هو شخصيا فيه, كما قلت من قبل فأنا لم أشهد أي شيء غير طبيعي في هذا المنزل ولا أي شيء حوله, لكنني لازلت أذكر واقعة سقوط هري في البئر, عادت بي الذكريات إلى يوم من أيام الصيف المنقضي, كنت أمام الحديقة أمرح لوحدي ممسكا بعصا متخيلا أنني فارس أواجه مجموعة من الأشرار, وبسيفي البتار كنت أقطعهم يمنة ويسرة اشتدت وطأة المعركة الشرسة وتكالب علي الأشرار حتى سمعت زئير وحش من الوحوش خلفي, التفت لأجد قطنا يموء طالبا مني حق العبور بين البئر والصور القديم, أشهرت سيفي نحوه متحديا إياه أن يتجرأ ويتقدم نحوي فلا عبور لأي مخلوق من هنا اليوم, نظر إلي في ملل واتجه على يساري نحو البئر، كانت البئر ترتفع عن الأرض مما يستدعي مني في ذلك العمر أن أقف على أنامل قدمي لكي أتفقد قمتها, وزيادة على علو جدرانها لم أرى البئر مفتوحة إلا مرات معدودة في حياتي, فقد كان يغطيها قرص خشبي مثبت في مكانه بعدة أحجار ثقيلة فوقه, لكن غطاءها هذه المرة كان مزاح بحوالي الشبر, كان أبي يتفقد ماءها آنفا وقبل أن ينطلق ليتفقد شيء آخر نهاني عن الاقتراب منها, طبعا لم أنصت له حين ابتعد ولذلك اعرف مقدار الشق المفتوح والذي قفز قربه القط، كنت قد بدأت بمخاصمة شجرة زيتون قريبة, لتستنزف مني فجأة الرغبة في اللهو واللعب حل علي نعاس غريب, توقفت و يدي المرخاة تكاد تفلت العصا لأتفطن من شرودي شاعر برعشة تمر ببدني جله, كان أقرب ما أعرفه لذلك الإحساس هو شعور أن يمسكك أحد متلبسا, إلتفتُ خلفي متوقعا أبي بنظراته الحادة ليبدأ بلومي على ذنب لا أعرف ما هو ولا متى اقترفته, لم تلقى عيناي سوى القط و هو يركز نظره باتجاهي, بدا لي أنه مستعد للهجوم فقد كان من عاداته أن يباغتني و يقفز علي, لكنني أدركت بعد وهلة أن فروه منفوش وأن نظره كان باتجاهي لكن فوقي نحو أفرع الشجرة, أدرت رأسي ببطء للأعلى متوقع أن يقفز علي هر مشرد أو مخلوق أكثر شرا وإيذاء منه, مسحت أفرع الشجرة المظلمة ولم أفلح في إلتقاط أي حركة إلى أن سمعت الحفيف, تجمد دمي وازدادت ريقي مبتعدا ببطء من دون أن أزيح عيني عن الشجرة, خطأ واحد مهما كان صغيرا, رمشة واحدة وسينقض علي ساكن الشجرة, وفجأة وجدت نفسي في الهواء تعثرت بأحد الجذور الناتئة وسقطت على ظهري, لأتحرر من لعنة الرعب المجمد وألقى بين أحضان الرعب الذي يجعلك تهرول وتبلل سروالك, اندفعت للوراء وأنا أكاد أبكي حتى أصدمت مؤخرة رأسي بجدار البئر, أمسكت رأسي متأوها ونظرت نحو الأعلى متفقدا الهر لأجده وقف حانيا ظهره, مظهرا أنيابه مطلقا مواء عميقا وطويلا بصوت لم آلفه منه من قبل, لم تكن صيحة حرب وجبروت لقد كان صوت حيوان خائف ومحاصر, وقفت وكنت قد قررت أن أجري نحو أبي لينجدنا من المعتدي, أدرت جسدي قاصدا إياه لكنني لم أكن قد ابتعدت خطوتين لأسمع ورائي صوت نفث ومواء القط الحاد مختلطا بصوت جر ثقيل واهتزاز عنيف للشجرة, بدأت المعركة, إلتفت ورائي بسرعة لألمح خيال القط وهو يختفي بسرعة من على البئر, لففت بصري نحو الشجرة متوقعا صخب القتال بين العدوين, إلى أن دوى صوت ارتطام في قاع البئر, دهشت للحظة فعقلي الصغير لم يكن قد استوعب شيء, حتى سمعت مواءه وخربشت براثنه بالجدار عميقا بداخل البئر, اشتد هلعي وطفقت أهرول نحو أبي وأنا أناديه, أطل علي من باب الحظيرة, ارتطمت به ليثبتني بيديه سائل إياي
” ما خطبك يا ولد “, اختلطت عليه الكلمات المتسارعة عن حية في أعلى الشجرة, وقط, وسقوط في البئر, وما أن سمع الأخيرة هب نحو البئر تاركا أياي وراءه, جريت خلفه لكنه غاب عني بسرعة بعد أن غطاه الجدار القديم, دخلت المنحنى لأجد نظرات التعجب على وجهه وهو يتفقد الشق الصغير, ليسألني بعد أن ضعفت وطأت الهلع على صوته
“ماذا سقط في البئر يا عزيز “, ” القط يا أبي “ لاحظت الارتياح الذي عم وجهه للحظة وظننت أنه لم يصدقني وأن القط هالك لابد, لكنه نهرني وصاح في أن أحضر الدلو, وفي ثوان أتاه الدلو, كان قد أزاح غطاء البئر في غيابي ثم بدأ بربط الدلو والبسبسة للقط, لم يستجب شيء داخل تلك الظلمة الباردة, رغم ذلك أنزل أبي الدلو وبه بعض الحجارة لكي تثقله ولم ييأس, انزله أبي ببطء حتى لمس الدلو الماء, صمتنا قليلا متسمعين لأي رد فعل, ليبدأ أبي بالبسبسة للقط وتودد له, شاركته في ذلك وناديت قاع البئر والبكاء قد بدأ ينال من صوتي

” أرجوك عد ياقط, هيا اقفز في الدلو“, لتستجاب دعوتي في الحين, اشتد الحبل حتى كاد يفلت من أبي الذي مد جسده متداركا إياه وسمعنا الدلو يغطس تحت الماء, بدأ أبي في الحين بسحب الحبل بشغف وسألت أبي في قلق, “هل هو القط ياأبي” فرد علي بابتسامة قائلا ”إنه لم يسقط شيء في البئر سواه”, شعرت حينها بسرور غريب, شعور أحسست به لأول مرة رغم صغر سني, شعور أن تعتقد أنك فقدت أحدهم, ليأتيك أمل عودته على الأفق, رن فحيح الأفعى في رأسي وأختلط مع صوت احتكاك الحبل بالخشب, فلم أدري هل كان خيالا أم أنه متصاعد من البئر, تيبست جميع جوارحي ولم أستطع تحذير أبي بأن من في الدلو لم يكن القط بل كان قاتله, وتبادرت لي صورة أبي وهو يخرج الدلو ليفاجأ بجثة القط وهي تعصر من قبل أفعوان أسود ضخم, استغلال الأفعى لجموده فتنقض عليه غارزتا أنيابها في عينه التي لم ترمش بعد, فتنفث فيها سمها الملعون أو ترتد مقتلعتا إياها من محجرها, نظرت إلى أبي و قد شخصت عيناي, لكنني لم أستطع أن أنطق أو أصرخ وحتى التنفسي كان يكاد يتوقف, كأنني في كابوس أعرف نهايته تماما فمهما علمتَ أن وراء الباب شبح أو غول ومهما حاولتَ أن لا تستجيب إلى الصوت الذي يناديكَ من ورائك, فإنك دائما ستفتح الباب وإنك حتما ستلتفت وراءك, توقف قلبي حين رأيت الدلو العظيم يخرج من البئر وهو يترنح من شدت ما يحمل وما يخبئ, أمسك أبي به وقربه منه ليتفقده ورأيت الدهشة على وجهه للحظة, لقد رأى الأفعى, أرمي الدلو يا أبي وأعده إلى قاع البئر, لا تقف في مكانك مصدوما, لكن الدهشة ذابت عنه لينظر إلي بشفقة لا يجيدها سوى الآباء, ولا أعرف كيف لكن الدلو انزلق من يدي أبي وأراد العودة إلى البئر, لكنه أمسك به في السماء و كأن قلبه سقط منه, و رغم محاولته إخفاء ما في الدلو فانه لم ينجح, ظهر رأس القط الميت والمتدلي من حافة الدلو وهو ينظر إلي بالمقلوب، كان فروه الطويل المبلل الملتصق به وقطرات الماء التي تسيل من عينيه المتجمدتين يحفر شيء في داخلي, هلعا ورعبا لن يزول إلا بعد ليال طويلة من الأنوار المشتعلة والكوابيس, وهو ما كان فقد أغمي علي هناك في الحين, مر باقي اليوم كمأتم حقيقي, على الأقل بالنسبة لي ولأختي الكبيرة, فإنه قد يبدوا الأمر هينا على الكبار لكنه هز عالمنا نحن الصغار, نحن الذين لم نعرف من الحياة سوى اللعب والمرح، كنت قد دخلت على أختي الكبرى بعد أن خرجت أمي من غرفتها لأراها تحتضن ركبتيها خافية رأسها باكية في صمت, وأخي الذي يليها جالس أمامها وهو يحكي لها ما سمعه عن حوار أبي مع أمي, ذلك أن القط مات وهو يقاتل أفعى كانت تهاجمني وأنه مات موتت شرف وبطولة, وأضاف بعد أن رق صوته وقال:” وقد قال أبي أنه لم يشعر بأي ألم لأنه وجد رقبته مكسورة “, رفعت رأسها ونظرت له في اشمئزاز وصرخت في وجهه, ” إنها قطة, إنها قطة” , وركلته على جنبه لكن جسده السمين لم يتزحزح من مكانه, ليستقيم في غضب ويغادر الغرفة غير مكترث بي وأنا ملتصق أمام الباب, نظرت إلي مرة وأعادت رأسها إلى مستقرها الأول, قال أبي أنه دفن القطة تحت الشجرة قرب البئر, مواسيا إياي أنا وأختي شارحا لنا أن المجاهد الذي يقاتل من أجل أرضه وأهله يدفن حيث يموت مربت على رأسي وكتف سمية, استرجعت نفسي من هذه الذكريات وسألت الشيخ ” ماذا حدث في البئر القديمة ”, رد علي مباشرة, ” لم نكن لنفتحها لو لم تتعطل المضخة, كنا اثنان, بقيت أنا أمام المحرك وأمرت ابني ليتفقد البئر, ليناديني أن أتي من دون أن يشرح لي السبب, تقدمت نحوه ليطل على قاع البئر قائلا: “هل ترى ما أراه يا أبي؟”, تفحصته لكنني لم أرى شيء, كنت أعتقد أنه رأى جثة جرذ أو شيء ما يسد الأنبوب, حتى قال لي: ” لا يا أبي أنظر في الوسط تماما لترى تلك العينين “, ثم سكت الشيخ قليلا وأكمل, ” لقد كانت عينا قط, ألتفت إلى وجه ابني الباسم وأعدت نظري لكنهما لم تختفيا, حمل ابني حجرا وهم برميه,  لتظهر بجانب تلك العينان أنياب لماعة " ثم أمسك يدي وهو يؤكد على كلامه قائلا ” وليزد الله في عذابي أن كنت أزيد في كلامي, لقد بدأ الماء بالتوتر والهيجان من ريح نشأت في عمق البئر, في عمق البئر أتصدق, وكنت لأكذب عيناي لو لم اسمع صفيرها وهي تعصف في, وحتى ابني تبددت ابتسامته المستهزئة حين رآها, ولم نلتفت وراءنا “, ودعت الشيخ من أمام البوابة وهو يوصيني بأن لا أطيل البقاء في هذا البيت, وأن أستأجر خدمة راق شرعي في القريب العاجل, أوصدت الباب, وعدت إلى مهامي في ترتيب حاجياتي داخل الفيلة, لكن تروس المكينة التي في رأسي لم تتوقف عن الدوران, كانت تبحث عن جواب لسؤال غريب.. (كيف كسرت رقبته؟)

لأن صوت موائه واحتكاك مخالبه بجدار البئر لحظة سقوطه محفور في رأسي, لكني لم أجد أي تفسير منطقي, فالأفاعي تلدغ ولا يوجد أي نوع في بلدي يعصر ضحيته حتى تكسر عظامه, ألح علي السؤال حتى لم أعد أتحمله فأنا من المصابين بهوس وفرط التفكير, خرجت قاصدا البئر مباشرة, تأملته لوهلة عند وصولي إليه لكن الجلسة لم تطل, هممت برفع ختمه الثقيل وأزحت الغطاء, وألقيت الضوء بداخله, كان جافا بعض الشيء ولم تبقى منه سوى بركة صغيرة تكاد تستنزف, استفزتني ظلمته وعمقه وتردد قصة الشيخ في عقلي, ومن دون معقب ناديت قاعه

” أظهر نفسك أيا كنت “

وتوقفت للحظات متحسس محيطي وأنا أسمع صدى صوتي الضعيف يرتد نحوي, متذكرا مقولة مشهورة لأحد الفلاسفة

” أطل النظر في الهاوية وستجد الهاوية تمعن النظر فيك“

شعرت بعد وهلة بإحراج شديد من نفسي وغبائها, ومن حقيقة أنني ناديت شبحا للخروج….

Post a Comment

أحدث أقدم